علي الهجويري
197
كشف المحجوب
ابن عبد اللّه الجرجاني ، أطال اللّه في عمره ونفعنا والمسلمين به . كان فريدا في زمانه ، ولم يسبقه أحد . كانت بدايته محرقة ، وكان في سياحاته يراقب الشريعة السمحاء . وتوجه إيه قلوب أهل الحظيرة ، ويعتقد فيه الطالبون ، وله قوة عجيبة في كشف حال المريدين وكان عالما بفروع المعرفة ، وتلاميذه زينة المجتمعات التي يوجدون بها . وإن شاء اللّه تعالى سيكون له خلف صالح مسموع الكلمة عند الصوفية ، أعنى به أبو علي الفضل بن محمد القازمذى . أطال اللّه في عمره ، الذي لم يأل جهدا في أداء خدمة سيده ، ونأى بجانبه عن متاع الدنيا ، وببركة هذا التجريد منحه اللّه تعالى لسان الحكمة ، الذي كان لذلك الشيخ . كنت يوما جالسا في مجلس الشيخ ، أسرد له أحوالي وأحلامى حتى يفصحها ، فقد كانت له قدرة لا تبارى في هذا الموضوع ، وكان يستمع إلى كلامي بمزيد الرحمة ، فدعاني غرور الشباب وحماسه أن أبين للسيد كل هذه المسائل وخطر بذهني أنه ربما لم يحظ الشيخ في حال بدايته بمثل هذه التجارب ، وإلا لما أظهر مثل هذا التواضع نحوى ، ومثل هذا الشغف لمعرفة مقامي الروحي . فلاحظ الشيخ ما خطر في فكرى ، وقال : « يا حبيب أبيك ! اعلم أن ذلتى ليست لك ، ولا لما مرّ بك من تجارب ، ولكنه للّه تعالى ، الذي أجرى هذه الحوادث ، وأنها ليست خاصة ولكنها عامة لطلاب الحق » . فلما سمعت منه ذلك أسقط في يدي ، فلما رأى انزعاجى قال لي : « يا ولدى ! الإنسان ليس له صلة بهذا الطريق ، إلا أنه إذا اتصل به تخيل أنه هو الذي أوجده ، وإذا بعد عنه ألبسه خياله زخرف القول ؛ لذلك كان النفي والإثبات ، والفقد والوجود محض خيال ، والإنسان لا يمكن أن يخرج من سجن خياله . فالواجب عليه أن يقف كالعبد على الباب ، ويخلع كل نسبة إلا عبوديته وطاعته .